آخر الأخبار
مقالات رأي
هذا المحتوى يعبّر عن رأي الكاتب وحده، ولا يعبر بالضرورة عن رأي الحزب.
- الصفحة الرئيسية
- مقالات رأي
«أحمد وأحمد»
-
2026-10-20
-
محمد ناصر سليم سليم
«أحمد وأحمد»
في كل كيان سياسي تقريبًا، يمكن أن نجد نموذجين من "أحمد".
أحمد الأول: شاب سياسي مجتهد، لديه طموح، يقرأ، يتعلم، يحضر الاجتماعات، يشارك في الفعاليات، يتحمل المسؤولية، ويحاول أن يصنع لنفسه ولجيله مكانًا داخل الحياة السياسية.
وأحمد الثاني: مسؤول أو صاحب قرار، ليس بالضرورة سيئ النية، لكنه يرى أن الحفاظ على التوازنات القائمة أهم من فتح الباب أمام وجوه جديدة، فيضع بقصد أو من دون قصد العراقيل أمام أحمد الأول.
ومن هنا تبدأ نظرية أحمد وأحمد.
أحمد الأول يريد أن يصعد بالعمل.
وأحمد الثاني يريد أن يحافظ على الوضع القائم.
أحمد الأول يرى السياسة فرصة للمشاركة.
وأحمد الثاني قد يراها مساحة تحتاج إلى حسابات وتوازنات وبين الاثنين يقف الشباب.
أحمد الأول.. الشاب الذي يريد أن يثبت نفسه
أحمد الأول ليس بالضرورة صاحب نفوذ أو موارد مالية كبيرة.
هو شاب بدأ من الصفر يحضر، يتعلم، ينظم، يكتب، يتواصل مع الناس، ويبحث عن فرصة.
قد يعمل في الإعلام السياسي، أو التنظيم، أو الشباب، أو التدريب، أو العمل الجماهيري.
وقد ينجح في تنفيذ عشرات المهام دون أن يطلب مقابلًا سوى أن يشعر بأن مجهوده له قيمة.
ومع مرور الوقت، يبدأ في التفكير في الخطوة التالية:
متى أتحول من شخص ينفذ إلى شخص يشارك في صناعة القرار؟ وهنا تبدأ المشكلة أحيانًا.
أحمد الثاني.. حارس البوابة
أحمد الثاني ليس بالضرورة شخصًا شريرًا وهذه نقطة مهمة.
فهو قد يكون مسؤولًا يمتلك خبرة طويلة، أو يرى أنه يحمي الكيان من الفوضى، أو يخشى أن تؤدي الوجوه الجديدة إلى تغيير التوازنات الداخلية.
لكن المشكلة تحدث عندما يتحول الحفاظ على الاستقرار إلى منع التجديد.
فيبدأ أحمد الثاني في وضع شروط غير مكتوبة: ليس الآن ، انتظر قليلًا ،ما زلت صغيرًا ،تحتاج إلى خبرة أكثر ،هناك من هو أقدم منك ،دع الأمور تسير كما هي كل جملة من هذه الجمل قد تبدو منطقية بمفردها لكن عندما تتكرر لسنوات، يمكن أن تتحول من نصيحة إلى أداة إقصاء غير معلنة وهنا تبدأ دائرة العزوف
أحمد الأول في البداية يكون متحمسًا ثم يبدأ في التساؤل ثم يشعر أن مجهوده لا يغير شيئًا ثم يقل حضوره ثم يتوقف عن المبادرة ثم يبحث عن مساحة أخرى وأحيانًا لا يجد.
وفي النهاية يقول: "السياسة ليست لي."
بينما الحقيقة ربما تكون مختلفة:
السياسة كانت مناسبة له، لكنه لم يجد البيئة التي تسمح له بممارستها وهنا نكتشف أن العزوف قد يكون أحيانًا نتيجة للإقصاء، وليس سببًا له المشكلة ليست في أحمد.. بل في النظام
لو كان أحمد الأول ضعيفًا أو غير مؤهل، فهناك حل بسيط:
دربه.
ولو كان يفتقد الخبرة:
امنحه الخبرة.
ولو كان يخطئ:
وجهه.
ولو لم يكن مستعدًا للقيادة:
أهله للقيادة.
أما أن نطلب من الشباب أن يتعلموا ثم لا نعطيهم فرصة للتطبيق، ونطلب منهم الخبرة ثم لا نسمح لهم بخوض التجربة، ونطالبهم بالمشاركة ثم نغلق أمامهم أبواب القرار، فهنا نحن أمام مشكلة أكبر من مجرد خلاف تنظيمي نحن أمام أزمة في إنتاج القيادات السياسية الجديدة.
وأين يدخل المال؟
هنا يظهر عامل آخر لا يمكن تجاهله: العنصر المالي "احمد الذهبى"
فالعمل السياسي يحتاج إلى موارد، وهذا أمر طبيعي لكن عندما يتواجد احمد الذهبى يصبح المال أحد أهم محددات النفوذ داخل بعض الكيانات، فقد يجد أحمد الأول نفسه أمام معادلة صعبة:
هو يمتلك الفكرة والكفاءة والوقت. بينما يمتلك أحمد الثاني واحمد الذهبى الموارد والعلاقات والقدرة على الحركة.
وهنا قد لا تكون المنافسة متكافئة المشكلة ليست في أن يمتلك أحدهم موارد أكبر؛ فهذا طبيعي.
المشكلة عندما تصبح الموارد المالية بديلًا عن الكفاءة أو طريقًا مختصرًا إلى النفوذ فالمال يجب أن يمول السياسة، لا أن يحدد وحده من يصنع السياسة.
أحمد وأحمد.. صورة مصغرة للحياة الحزبية
نظرية "أحمد وأحمد" ليست قصة شخصين حقيقيين بالضرورة هي نموذج رمزي يمكن أن يتكرر في أحزاب وكيانات وتنظيمات مختلفة أحمد الأول يمثل جيلًا جديدًا يريد أن يجد مكانه.
وأحمد الثاني يمثل البنية التي تخشى أحيانًا أن تفقد سيطرتها على المكان ولا يعني ذلك أن أحدهما على حق دائمًا والآخر مخطئ دائمًا.
فالحياة السياسية تحتاج إلى الخبرة كما تحتاج إلى التجديد لكنها تحتاج أيضًا إلى قواعد عادلة تجعل انتقال الخبرة إلى الأجيال الجديدة عملية طبيعية، لا معركة.
السؤال الحقيقي
السؤال ليس:
من هو أحمد الأول؟
ولا:
من هو أحمد الثاني؟
السؤال الحقيقي هو:
هل الحياة السياسية الذي نعمل داخلها تسمح لأحمد الأول بأن يصبح يومًا ما أحمد الثاني، دون أن يكرر عليه نفس العراقيل التي واجهها؟
إذا كانت الإجابة نعم، فنحن نبني مؤسسة.
أما إذا كانت الإجابة لا، فنحن نعيد إنتاج نفس الأشخاص، ونفس الدوائر، ونفس المشكلات.
اخيرًا
ربما يكون أخطر ما يمكن أن يحدث للحياة السياسية ليس أن يعزف الشباب عنها.
بل أن يحاولوا المشاركة، ثم يكتشفوا أن الطريق مغلق لأن أحمد الأول إذا فقد الأمل، فلن نخسر عضوًا فقط قد نخسر قيادة سياسية كان يمكن أن تظهر بعد سنوات ولهذا فإن مواجهة العزوف لا تبدأ فقط بدعوة الشباب إلى المشاركة.
بل تبدأ بإزالة العوائق التي تجعل المشاركة بلا جدوى أحمد الأول يحتاج فرصة، وأحمد الثاني يحتاج أن يثق في الجيل الذي سيأتي بعده والسياسة الناجحة ليست أن ينتصر أحمد على أحمد.
بل أن ينجح أحمدان معًا في بناء مؤسسة أقوى منهما.
- 0 views