آخر الأخبار
مقالات رأي
هذا المحتوى يعبّر عن رأي الكاتب وحده، ولا يعبر بالضرورة عن رأي الحزب.
- الصفحة الرئيسية
- مقالات رأي
أزمة السياسات قبل الأرقام.. نظرة في الواقع الاقتصادي لحكومة مدبولي
-
2026-08-25
-
احمد عبد الرحمن محمد علي رمضان
أزمة السياسات قبل الأرقام.. نظرة في الواقع الاقتصادي لحكومة مدبولي
حين تتأمل المشهد اليوم، تجد أن حكومة الدكتور مصطفى مدبولي حظيت بفرصة زمنية ودعم لم تحظَ به حكومات كثيرة سابقة، واستطاعت بالفعل إنجاز شبكة طرق وبنية تحتية ملحوظة، لكن السؤال الذي يطرحه كل بيت مصري الآن: ما هو العائد الحقيقي لكل هذا على تفاصيل الحياة اليومية؟ الحقيقة أن المشكلة لم تعد في الطموحات أو النوايا، بل في النموذج الاقتصادي نفسه وطريقة ترتيب الأولويات التي أوصلت المواطن إلى حالة من الإرهاق الشديد تحت وطأة الغلاء المتواصل.
الخلل الأكبر الذي يواجهنا يكمن في تغليب منطق الاقتراض على منطق الإنتاج. فالموازنة العامة اليوم تدفع ما يقرب من نصف مصروفاتها فقط لسداد فوائد وأقساط الديون، وهذا يعني ببساطة أن الدولة باتت تعمل لتسديد أعباء ما اقترضته بدلاً من الإنفاق على مستشفيات المواطنين ومدارس أبنائهم. ومع وصول الدين الخارجي لمستويات تتجاوز مئة وستين مليار دولار، وارتفاع فاتورة التزاماته السنوية، أصبحت الحكومة تدير الاقتصاد بطريقة البحث الدائم عن سيولة سريعة لتفادي العثرات، سواء عبر صفقات بيع أصول أو قروض جديدة، وهو مسار لا يمكن أن يخلق استقراراً حقيقياً ومستداماً.
هذا الضغط المالي انعكس بشكل مباشر وقاسٍ على الشارع. فالتعويم المتكرر وخفض قيمة الجنيه مع رفع الدعم المتتالي عن الوقود والكهرباء والخبز، جاء في توقيت يعاني فيه المواطن من تآكل مدخراته وثبات دخله الفعلي. أرقام التضخم التي كوت جيوب الناس لم تكن مجرد مؤشرات على شاشات البنوك، بل ترجمت إلى انسحاق حقيقي للطبقة المتوسطة التي تمثل صمام أمان المجتمع. وحتى الزيادات التي أُقرت في الحد الأدنى للأجور أو برامج الدعم النقدي التهمتها الأسعار قبل أن يشعر بها أصحابها في الأسواق.
في المقابل، كان من المفترض أن تكون الأولوية لتشغيل المصانع ودعم الزراعة لتعويض نزيف العملة الأجنبية، لكن الذي حدث هو العكس تماماً. تركز الجزء الأكبر من السيولة والجهد في مشروعات إنشائية وعقارية كبرى تتطلب سنوات طويلة لتدر عائداً، بينما ظل القطاع الخاص يعاني من شح السيولة وارتفاع فوائد الاقتراض البنكي وتغير القوانين والرسوم، فضلاً عن منافسة جهات تابعة للدولة في أنشطة كان الأولى تركها للسوق الحر. هذا المناخ دفع كثيراً من صغار المستثمرين وأصحاب الورش والشركات للانكماش أو الإغلاق التام، فخسرنا فرص عمل كان يمكن أن تخفف الأزمة.
الخروج من هذا النفق ليس مستحيلاً ولا يحتاج إلى معجزات، بل يحتاج إلى شجاعة في تغيير النهج وإدارة الموارد. أول خطوة عملية هي وضع سقف صارم لا يقبل الاستثناء للاستدانة ووقف الاقتراض الخارجي لأي مشروع لا يحقق تدفقات دولارية فورية. ثانياً، يجب تجميد المشروعات الكبرى التي لا تزال في مراحلها الأولى وتحويل تلك المخصصات بالكامل لدعم مدخلات الإنتاج الصناعي والزراعي، مع تقديم إعفاءات ضريبية حقيقية لكل مصنع ينجح في رفع نسبة المكون المحلي وتصدير جزء من إنتاجه. ثالثاً، لابد من إعطاء القطاع الخاص الثقة الكاملة من خلال تثبيت منظومة الضرائب والجمارك لعدة سنوات، والتخارج الفعلي للدولة من القطاعات الاستهلاكية والتجارية.
إن الحديث عن هذه التحديات ليس من باب النقد لمجرد النقد، بل هو محاولة لوضع اليد على الجرح قبل أن يتسع. لقد حان الوقت لتدرك الحكومة أن قوة الاقتصاد لا تقاس بحجم المشروعات الأسمنتية وحدها، بل بقدرة المواطن البسيط على العيش بكرامة وتأمين احتياجات أسرته دون خوف من الغد.
- 0 views