آخر الأخبار
مقالات رأي
هذا المحتوى يعبّر عن رأي الكاتب وحده، ولا يعبر بالضرورة عن رأي الكيان.
- الصفحة الرئيسية
- مقالات رأي
المرأة في طليعة البحث العلمي بمصر: من التمكين إلى الريادة
-
2026-04-19
-
اسماء محمد صبحي
المرأة في طليعة البحث العلمي بمصر: من التمكين إلى الريادة
في خضم سعي مصر الحثيث لبناء اقتصاد حديث ومستدام قائم على المعرفة، لم يعد يُنظر إلى المرأة كعضو مشارك فحسب، بل كشريك استراتيجي وقوة دافعة أساسية في منظومة البحث العلمي والابتكار. إن التحول نحو اقتصاد المعرفة لا يعتمد فقط على البنية التحتية والتكنولوجيا، بل يتطلب استثمارًا عميقًا في رأس المال البشري، وتمثل المرأة المصرية نصف هذا الكنز البشري الذي يزخر بالإمكانات. على الرغم من أن دورها قد تعزز بشكل ملحوظ في السنوات الأخيرة، إلا أن الانتقال من مجرد المشاركة العددية إلى تحقيق تأثير نوعي ومستدام يتطلب رؤية واضحة وجهودًا متكاملة لمواجهة التحديات الهيكلية والثقافية، بما يضمن تحقيق أهداف رؤية مصر 2030 وتسريع وتيرة التقدم الوطني.
تعكس المؤشرات الوطنية والدولية قصة نجاح ملهمة للمرأة المصرية في المجال الأكاديمي والبحثي. تشير بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء إلى أن 43% من باحثي مصر من النساء، وهي نسبة تفوق المتوسط العالمي البالغ 33%. هذا الحضور القوي لا يقتصر على الكم، بل يمتد إلى النوع، حيث تبرز الباحثات المصريات في قطاعات حيوية مثل العلوم الطبية والصيدلانية، والعلوم الطبيعية، والزراعة، وهي مجالات ذات أولوية استراتيجية لمصر.
وتؤكد الدكتورة ولاء شتا، الرئيس التنفيذي لهيئة تمويل العلوم والتكنولوجيا والابتكار (STDF)، على أن دعم المرأة في البحث العلمي يمثل أولوية وطنية، مشيرةً إلى أن "المرأة المصرية تقف في طليعة التقدم العلمي وتلعب دورًا محوريًا في الابتكار والتنمية". وتُترجم هذه الأقوال إلى أفعال من خلال برامج ومبادرات تهدف إلى سد الفجوات وتشجيع المزيد من النساء على الانخراط في مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات (STEM).
على الرغم من هذه المؤشرات الإيجابية، فإن المسار المهني للباحثات ليس خاليًا من العقبات. فقد سلطت دراسات دولية، كتلك المنشورة في مجلة Nature، الضوء على ظاهرة "الأنبوب المثقوب" (Leaky Pipeline) في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، حيث تتسرب الباحثات من المسار الأكاديمي بمعدل أعلى من الرجال، خاصة بعد حصولهن على درجة الدكتوراه. وتتعدد أسباب هذه الظاهرة، ويمكن تلخيصها في المحاور التالية:
الأعباء الاجتماعية والثقافية: لا تزال التوقعات المجتمعية تضع على عاتق المرأة العبء الأكبر من المسؤوليات الأسرية ورعاية الأطفال، مما يجعل الموازنة بين متطلبات الحياة المهنية البحثية المكثفة والحياة الأسرية تحديًا هائلاً.
ضعف الدعم المؤسسي: تواجه العديد من الباحثات تحديات داخل بيئة العمل، مثل التحيزات غير الواعية في قرارات التمويل والترقية، ونقص برامج الإرشاد الأكاديمي الموجهة، ومحدودية فرص التدريب على المهارات القيادية.
محدودية التمثيل في المناصب القيادية: على الرغم من حضورهن القوي في الصفوف الأكاديمية الأولى، إلا أن تمثيل المرأة يقل بشكل ملحوظ في المناصب الإدارية والقيادية العليا داخل الجامعات والمراكز البحثية، مما يقلل من وجود نماذج يُحتذى بها ويُضعف من تأثير أصواتهن في صنع القرار.
إدراكًا لهذه التحديات، تتبنى الدولة المصرية والمؤسسات المعنية استراتيجيات متعددة الأوجه لتمكين الباحثات. وتأتي جهود هيئة تمويل العلوم والتكنولوجيا والابتكار (STDF) في مقدمة هذا الحراك، حيث لا تكتفي بتقديم الدعم المالي، بل تعمل على تصميم برامج مخصصة، مثل المنح الموجهة للنساء في مجالات الهندسة والرياضيات، لكسر الحواجز التقليدية وتشجيع التنوع.
كما يلعب المجلس القومي للمرأة دورًا محوريًا من خلال لجانه المتخصصة، مثل لجنة البحث العلمي، ومبادراته الرائدة كبرنامج "المرأة في العلوم"، التي تهدف إلى تسليط الضوء على إنجازات العالمات المصريات ودعمهن لتقديم حلول مبتكرة، كما أكدت الدكتورة مايا مرسي، رئيسة المجلس، في مناسبات عدة. وتُعد الملتقيات العلمية، مثل "ملتقى المرأة المصرية في العلوم والتكنولوجيا"، منصات حيوية لتعزيز التواصل وبناء الشبكات المهنية وعرض النماذج النسائية الرائدة.
لتحقيق نقلة نوعية تتجاوز المشاركة إلى الريادة، يجب تبني خارطة طريق شاملة ترتكز على توصيات المنظمات الدولية مثل اليونسكو، وتتكيف مع السياق المحلي:
على المستوى السياسي: يجب إزالة الحواجز المؤسسية من خلال سياسات داعمة، مثل توفير إجازات أمومة وأبوة مرنة للباحثين، وتخصيص حصص (Quotas) في المنح البحثية الكبرى لضمان التوزيع العادل، وتكليف جهات الرصد والتقييم بمتابعة مؤشرات الفجوة بين الجنسين.
على المستوى المؤسسي: ينبغي على الجامعات والمراكز البحثية تفعيل برامج الإرشاد المهني (Mentorship)، وتطبيق معايير شفافة للترقية، وتوفير دورات تدريبية لتنمية المهارات القيادية لدى الباحثات، بالإضافة إلى توفير بيئات عمل مرنة وداعمة للأمهات.
على المستوى المجتمعي والتعليمي: من الضروري تشجيع الفتيات على الانخراط في مجالات العلوم والهندسة منذ مراحل التعليم المبكر، وتغيير الصورة النمطية للمرأة في الإعلام، والاحتفاء بالنماذج النسائية الناجحة في العلوم ليلهمْنَ الأجيال القادمة.
إن تمكين المرأة في قطاع البحث العلمي ليس مجرد ملف حقوقي أو مطلب لتحقيق المساواة، بل هو ضرورة استراتيجية وأحد أعمدة الأمن القومي العلمي لمصر. كل باحثة تحصل على فرصة، وكل فكرة مبتكرة تجد طريقها إلى النور، وكل عقبة تتم إزالتها، هي لبنة تضاف إلى صرح المستقبل العلمي والتنموي المشرق لمصر. من خلال توفير بيئة داعمة ومحفزة، يمكن للمرأة الباحثة أن تطلق العنان لإمكاناتها الكاملة، لتصبح شريكًا لا غنى عنه في تحقيق طموحات مصر نحو الريادة الإقليمية والدولية في مجتمع المعرفة والابتكار.