آخر الأخبار
مقالات رأي
هذا المحتوى يعبّر عن رأي الكاتب وحده، ولا يعبر بالضرورة عن رأي الكيان.
- الصفحة الرئيسية
- مقالات رأي
الهدنة الإيرانية / الصهيو أمريكية " من التحالف إلى تسعير الأمن قراءة فى المشهد السياسى
-
2026-04-20
-
نورا طارق معروف
ما بين حرب العراق٢٠٠٣ وحرب أيران ٢٠٢٦ دروس وعبر نظرة تاريخية تحليلية
في مطلع القرن الحادي والعشرين، وتحديدًا في 20 مارس 2003، دشّنت الولايات المتحدة عملية عسكرية واسعة النطاق ضد العراق انتهت بإسقاط نظام صدام حسين، في حدث تاريخي عُرف باسم حرب العراق 2003. وقد جاءت هذه الحرب في سياق دولي بالغ الحساسية أعقب هجمات 11 سبتمبر، حيث أعادت واشنطن صياغة عقيدتها الأمنية في عهد إدارة جورج دبليو بوش على أساس “الحرب الاستباقية”، في تحول استراتيجي عميق من الردع إلى المبادرة العسكرية المباش معلللين الحرب إلى وجود أسلحة دمار شامل لدى العراق وارتباطاها بتنظيمات إرهابية، غير أن مسار الأحداث اللاحق، بما في ذلك تقارير لجان التحقيق الأمريكية، أكد عدم العثور على تلك الأسلحة، ما جعل الحرب أشبه بعمليات السرقة والنهب المغلفة بأسباب واهية كالحروب الصليبية شعار ليس له علاقة بالواقع ومع بدء العمليات العسكرية، اعتمدت القوات الأمريكية على استراتيجية “الصدمة والترويع”، التي تمثلت في قصف جوي كثيف استهدف البنية القيادية والعسكرية في بغداد ومدن عراقية أخرى، باستخدام ترسانة متقدمة شملت صواريخ كروز من طراز توماهوك وذخائر دقيقة التوجيه، إلى جانب آلاف الطلعات الجوية خلال الأيام الأولى.
وقد شاركت في العمليات قوة برية ضخمة قوامها نحو 180 ألف جندي أمريكي، مدعومة بقوات بريطانية قُدرت بنحو 50 ألف جندي، لتسقط بغداد في غضون أقل من ثلاثة أسابيع، في 9 أبريل 2003، وهو سقوط عسكري سريع فاق توقعات العديد من المراقبين. إلا أن هذا الحسم العسكري لم يؤدِ إلى استقرار سياسي، بل فتح الباب أمام مرحلة جديدة من التاريخ العراقي اتسمت بتفكك مؤسسات الدولة، بعد قرار حل الجيش والأجهزة الأمنية، بما أدى إلى فراغ سلطوي واسع تحول إلى بيئة خصبة للتمرد المسلح والعنف الداخلي.
ومن منظور تاريخي مقارن، لم تكن الحرب حدثًا عسكريًا فقط، بل نقطة تحول في بنية الدولة العراقية ذاتها. فقد وُضعت الموارد النفطية والمالية تحت إدارة سلطة الائتلاف المؤقتة عبر “صندوق تنمية العراق”، تحت قيادة الولايات المتحدة الأمريكية في محاولة لإعادة تنظيم الاقتصاد، إلا أن المرحلة اتسمت باضطراب إداري واتهامات متكررة بسوء الإدارة والفساد وضعف الرقابة المؤسسية. كما شهدت الأيام الأولى لسقوط بغداد انهيارًا أمنيًا واسعًا أدى إلى عمليات نهب لمؤسسات الدولة، بينها المتحف الوطني العراقي، في ظل غياب السلطة المركزية والاستسلام الجيش والشرطة .
على الصعيد الدولي، عكست الحرب حالة انقسام عميقة داخل النظام العالمي. فقد عارضت فرنسا وألمانيا وروسيا التدخل العسكري داخل مجلس الأمن، كما أعلنت الصين رفضها المبدئي لغياب التفويض الدولي، غير أن هذا الرفض ظل سياسيًا ولم يتحول إلى فعل ميداني أو حتى محاولة لإيقاف العبث الأمريكى البريطانى بمقدرات دولة بحجم العراق أما دول الخليج، فقد اتسمت مواقفها بدرجات متفاوتة من التحفظ أو الدعم في ظل اعتبارات تتعلق بووجود القوات الأمريكية في المنطقة، ما جعل الحرب تمر دون تشكل جبهة دولية مانعة لها.
وقد أسهم سقوط النظام العراقي في إعادة تشكيل عميقة للبنية السياسية والاجتماعية للدولة، حيث برزت قوى سياسية جديدة ذات أغلبية شيعية، بالتوازي مع توسع تدريجي لنفوذ إيران داخل العراق عبر أدوات سياسية وأمنية غير مباشرة، مستفيدة من الفراغ الذي نشأ بعد انهيار مؤسسات الدولة. كما أدت حالة التفكك الأمني إلى صعود جماعات مسلحة متطرفة، من أبرزها تنظيم القاعدة في العراق، الذي مهد لاحقًا لظهور داعش، لتتحول البلاد إلى ساحة صراع ممتد تجاوز حدود الحرب التقليدية إلى ما يشبه إعادة تشكيل الدولة من داخلها لكن ابعد عن دولة صدام حسين الحاسمة والحازمة
ومن منظور التحليل الاستراتيجي المقارن، يظهر الاختلاف الجوهريالتالي والضمنى والصريح بين تلك المرحلة وبين الحرب الحالية بين واشنطن وطهران. فبينما اتسمت حرب 2003 بطابع الغزو المباشر وإسقاط الدولة ونشر الإرهاب والتطرف للسيطرة على منابع الخير بها والبترول وغيره ، فإن العلاقة الحالية بين الولايات المتحدة وإيران تقوم على منطق الردع المتبادل والعين بالعين والسن بالسن والبادئ اظلم في ظل إدراك متزايد لكلفة الحروب المباشرة على الاستقرار الإقليمي والعالمي.
وفي هذا السياق، يُلاحظ أن إيران تعلمت بكل وضوح دروس ما بعد الغزو الأمريكي للعراق، حيث أدركت أن انهيار الدولة قد يبدأ بتفكيك عناصر القوة الاستراتيجية. لذلك اتجهت إلى تعزيز قدراتها الردعية، وتثبيت موقعها التفاوضي عبر برنامجها النووي. وتشير التصريحات الرسمية الإيرانية خلال السنوات الأخيرة إلى تمسك طهران بقدرات تخصيب اليورانيوم باعتبارها عنصرًا سياديًا غير قابل للتنازل، مع تأكيدها المتكرر أنها لن تتخلى عن هذا البرنامج أو تسلمه لأي طرف خارجي، بما في ذلك الولايات المتحدة. ووفق هذا المنظور، يمكن قراءة الموقف الإيراني باعتباره محاولة لبناء “حصانة استراتيجية” تمنع تكرار سيناريوهات التفكيك التي شهدها العراق، وهو ما يعكس تحولًا عميقًا في فلسفة الأمن الإقليمي.
وهنا يحضرنى السؤال الأكثر أهمية هو أن التجربة العراقية وما تبعها من فراغ استراتيجي وامنى بالعراق لما لم يفكر العرب آنذاك بإنشاء الجيش العربى المشترك الموحد ؟؟؟ أو بمعنى اوضح لماذا مصرين على ارتداء النظارة السوداء ؟، في ظل غياب منظومة عسكرية مشتركة قادرة على التعامل مع الأزمات الكبرى. فانشاء قوة دفاع عربية ، لو تحقق، أن يعيد تشكيل ميزان القوى الإقليمي، ويقلل من التدخلات الخارجية، ويمنح العالم العربي قدرة أكبر على إدارة أمنه الذاتي ولكن الاصرار الخليجى على الاستمرار فى ارتداء النظارة السوداء وتناسى فكرة القومية العربية والروابط العربية ولا يذكروها الا عندما يكونوا عند حافة الهاوية فتخرج الأبواق المناداة مرددين ) القومية العربية (.لذلك وصلت منطقة الشرق وبلاد العرب لأرض تصفيه الحسابات الدولية بين الأقطاب العالمية
وبذلك، يمكن النظر إلى حرب العراق باعتبارها لحظة مفصلية في تاريخ الشرق الأوسط الحديث، لم تقتصر آثارها على إسقاط نظام سياسي، بل امتدت إلى إعادة تشكيل الدولة والمجتمع والإقليم، وفتح الباب أمام تحولات استراتيجية ما زالت تداعياتها حاضرة حتى اليوم، سواء في العراق أو في ايران، الذي بات يُدار بمنطق مختلف يقوم على الردع، والحذر، واستيعاب دروس التاريخ بدل تكرارها.