آخر الأخبار
مقالات رأي
هذا المحتوى يعبّر عن رأي الكاتب وحده، ولا يعبر بالضرورة عن رأي الحزب.
- الصفحة الرئيسية
- مقالات رأي
الهوية الرقمية الموحدة للمواطن.. نحو إنهاء البيروقراطية الورقية في معاملات الشباب .
-
2026-10-19
-
عزت قدرى أنور سالم
الهوية الرقمية الموحدة للمواطن.. نحو إنهاء البيروقراطية الورقية في معاملات الشباب .
أعتقد أن أحد أهم التحديات التي تواجه الشباب في التعامل مع المؤسسات الحكومية ليس صعوبة الحصول على الخدمة في حد ذاتها، وإنما ما يحيط بها من إجراءات ورقية متكررة، وانتقال بين أكثر من جهة، وانتظار قد يمتد لساعات أو أيام من أجل إنهاء معاملة ربما لا تستغرق دقائق إذا توافرت منظومة إدارية مترابطة. فالشاب الذي يسعى لاستخراج مستند، أو التقديم لوظيفة، أو إنهاء إجراءات دراسية، أو الحصول على ترخيص، يجد نفسه أحيانًا مطالبًا بتقديم البيانات والمستندات نفسها أكثر من مرة، وكأن كل مؤسسة تتعامل معه باعتباره مواطنًا جديدًا لا تربطه أي صلة بالمؤسسات الأخرى.
وفي رأيي، لم يعد استمرار هذا النمط من التعامل يتناسب مع متطلبات العصر الرقمي، ولا مع طموحات جيل اعتاد إنجاز كثير من احتياجاته اليومية من خلال الهاتف المحمول، وأصبح يتوقع أن تكون الخدمات الحكومية على الدرجة نفسها من السرعة والسهولة. ومن هنا تبرز أهمية إنشاء هوية رقمية موحدة للمواطن، تكون بمثابة المفتاح الأساسي للتعامل مع مختلف مؤسسات الدولة، وتنهي تدريجيًا الاعتماد على الملفات الورقية والإجراءات التقليدية التي تستهلك وقت المواطن وجهد الموظف معًا.
وتقوم الفكرة على توفير بطاقة ذكية أو تطبيق إلكتروني موحد يرتبط بالرقم القومي، ويضم بيانات المواطن الأساسية، مع إتاحة التحقق من هويته إلكترونيًا، والوصول الآمن إلى الخدمات التي يحتاج إليها وفقًا لصلاحيات محددة. وبذلك يستطيع الشاب، على سبيل المثال، تقديم طلب للحصول على خدمة حكومية، أو متابعة موقف معاملة، أو استخراج مستند، أو سداد رسوم، دون الحاجة إلى الانتقال بين عدة مكاتب ومؤسسات لتقديم الأوراق نفسها في كل مرة.
وأرى أن القيمة الحقيقية لهذه المنظومة لا تكمن في إصدار بطاقة جديدة أو إطلاق تطبيق إضافي، وإنما في ربط قواعد البيانات الحكومية ببعضها، وتحقيق التكامل الفعلي بين الوزارات والهيئات والمؤسسات. فليس من المنطقي أن تمتلك جهة حكومية بيانات المواطن، بينما تطالبه جهة أخرى بإحضار مستند ورقي لإثبات البيانات ذاتها. المطلوب هو أن تنتقل البيانات المسموح بتبادلها بصورة آمنة بين الجهات المختصة، وأن يصبح المواطن قادرًا على الحصول على الخدمة من خلال نقطة اتصال واحدة، بدلًا من أن يتحمل بنفسه عبء التنسيق بين مؤسسات الدولة.
ولعل الشباب هم الفئة الأكثر استفادة من هذا التحول؛ لأنهم في بداية حياتهم العملية والاجتماعية يتعاملون مع عدد كبير من الجهات، بداية من الجامعات ومؤسسات التعليم، مرورًا بالتوظيف والتأمينات الاجتماعية، ووصولًا إلى استخراج التراخيص وفتح المشروعات والحصول على الخدمات المختلفة. وفي كثير من الحالات، تتحول الإجراءات الإدارية إلى عائق أمام سرعة الاندماج في سوق العمل أو بدء مشروع صغير، رغم أن الهدف الأساسي من هذه المؤسسات هو تيسير حياة المواطن ومساعدته على الإنتاج والمشاركة في التنمية.
ومن هنا، أعتقد أن تطبيق الهوية الرقمية الموحدة يمكن أن يمثل خطوة مهمة في دعم الشباب اقتصاديًا واجتماعيًا؛ فكل ساعة يتم توفيرها من الانتظار والتنقل بين المصالح الحكومية يمكن استثمارها في العمل أو التعلم أو تطوير المهارات أو تأسيس مشروع. كما أن تقليل التعاملات الورقية يحد من تكرار الإجراءات، ويقلل فرص الأخطاء الإدارية، ويساعد على رفع كفاءة المؤسسات وتحسين مستوى الخدمات، فضلًا عن تعزيز الشفافية من خلال إمكانية متابعة الطلبات ومعرفة مراحل إنجازها ومواعيد الحصول عليها.
ولا يمكن الحديث عن هذا التحول دون الإشارة إلى أن مصر بدأت بالفعل خطوات في هذا الاتجاه، سواء من خلال التوسع في الخدمات المقدمة عبر منصة مصر الرقمية، أو تطوير منظومة بطاقة الخدمات الحكومية الموحدة، إلى جانب إطلاق منظومة التحقق البيومتري الإلكتروني للهوية الرقمية خلال أغسطس 2026، بما يتيح التحقق من هوية المستخدم عن بُعد في بعض المعاملات، مع التمهيد للتوسع في تطبيقاتها مستقبلًا. وهذه الخطوات تعكس وجود توجه نحو بناء بنية رقمية أكثر تكاملًا، لكن التحدي الحقيقي يظل في توحيد الجهود وربط المؤسسات وتحويل المبادرات المتفرقة إلى تجربة متكاملة يشعر المواطن بنتائجها في حياته اليومية.
ورغم ذلك، أرى أن نجاح المشروع يتطلب التعامل بجدية مع مجموعة من التحديات، في مقدمتها حماية البيانات الشخصية ومنع إساءة استخدامها، وتأمين قواعد المعلومات من الاختراق، ووضع ضوابط واضحة تحدد الجهات التي يحق لها الاطلاع على بيانات المواطن والغرض من استخدامها. فلا يجوز أن تتحول سهولة الوصول إلى الخدمات إلى مبرر للتوسع غير المنضبط في جمع المعلومات أو تداولها. كما ينبغي مراعاة المواطنين الذين لا يمتلكون هواتف ذكية أو لا يجيدون استخدام التطبيقات الإلكترونية، من خلال توفير مراكز مساعدة ومنافذ خدمة بديلة، حتى لا يتحول التطور التكنولوجي إلى شكل جديد من أشكال الاستبعاد.
وفي رأيي، فإن التنفيذ الناجح يجب أن يبدأ بخطة تدريجية واضحة، تتضمن حصر الخدمات الأكثر ارتباطًا بالشباب، واختيار مجموعة من الجهات الحكومية لربط قواعد بياناتها في مرحلة تجريبية، ثم تقييم التجربة ومعالجة أوجه القصور قبل التوسع في باقي المؤسسات. ومن الضروري أيضًا وضع معايير محددة لقياس نجاح المنظومة، مثل متوسط زمن الحصول على الخدمة، وعدد المستندات المطلوبة، ونسبة المعاملات التي يتم إنجازها إلكترونيًا، ومستوى رضا المواطنين. فنجاح التحول الرقمي لا يُقاس بعدد التطبيقات التي نطلقها، وإنما بعدد الإجراءات التي ننجح في إلغائها، والوقت الذي نوفره على المواطن.
مما سبق يتبين لنا أن الهوية الرقمية الموحدة ليست مجرد وسيلة تكنولوجية حديثة، بل هي خطوة نحو إعادة صياغة العلاقة بين المواطن ومؤسسات الدولة، على أساس السرعة والشفافية والثقة واحترام وقت الإنسان. والشباب لا يحتاجون إلى مزيد من الوعود بشأن التطوير بقدر احتياجهم إلى خدمات حكومية يشعرون بأنها صُممت لتسهيل حياتهم لا لتعقيدها.
إن الدولة التي تسعى إلى بناء مستقبل رقمي لا بد أن تبدأ من أبسط تفاصيل حياة مواطنيها؛ من استخراج مستند، وإنهاء معاملة، والحصول على خدمة دون طوابير أو أوراق متكررة. وأعتقد أن الوقت قد حان للانتقال من مفهوم المواطن الذي يبحث عن الموظف لإنهاء معاملته، إلى مفهوم المواطن الذي يحصل على حقه في الخدمة بضغطة زر، في إطار منظومة آمنة وموحدة تجعل التكنولوجيا أداة حقيقية لخدمة الإنسان، لا مجرد واجهة حديثة لإجراءات قديمة.
تتمثل الفكرة الرئيسية في إنشاء هوية رقمية موحدة للمواطن عبر بطاقة ذكية أو تطبيق إلكتروني، بهدف إنهاء البيروقراطية الورقية وتسهيل حصول الشباب على الخدمات الحكومية.
وتعتمد الفكرة على ربط قواعد البيانات الحكومية، وتقليل تكرار المستندات والإجراءات، وتسريع إنجاز المعاملات، مع ضمان حماية البيانات الشخصية وإتاحة الخدمات لجميع المواطنين.
وتتمثل النتيجة في بناء منظومة حكومية رقمية متكاملة توفر الوقت والجهد، وتعزز الشفافية وكفاءة المؤسسات، وتجعل التكنولوجيا وسيلة حقيقية لخدمة المواطن.
- 0 views