آخر الأخبار
مقالات رأي
هذا المحتوى يعبّر عن رأي الكاتب وحده، ولا يعبر بالضرورة عن رأي الحزب.
- الصفحة الرئيسية
- مقالات رأي
حين يصبح نجاح الآخرين مشكلة
-
2026-08-30
-
محمد عوض علي مرسي
في العمل العام، يفترض أن يكون الاختلاف حول الأفكار والوسائل، لا حول الأشخاص. وأن تكون المنافسة دافعاً لتقديم الأفضل، لا سبباً لتعطيل ما يمكن أن يفيد الناس. لكن الواقع يكشف أحياناً عن مشهد مختلف، تتحول فيه المبادرات الجيدة من فرص تستحق الدعم إلى أهداف يجب إيقافها، فقط لأن صاحبها ليس الشخص الذي يرغب البعض في رؤيته ناجحاً أو مؤثراً في المشهد.
المشكلة هنا لا تتعلق بالنقد أو الاعتراض، فالنقد الموضوعي ضرورة، والاختلاف حق، والمراجعة جزء أساسي من أي عمل جاد. لكن هناك فارقاً واضحاً بين من ينتقد بهدف التصحيح والتطوير، ومن يعترض لأنه لا يريد لغيره أن يتقدم. الأول ينطلق من الحرص على الفكرة، أما الثاني فينطلق من موقف شخصي تجاه صاحبها، حتى لو كانت النتيجة النهائية هي تعطيل مصلحة عامة يحتاج إليها الناس.
وهنا تبدأ واحدة من أكثر الظواهر إزعاجاً في العمل العام، حين تصبح قيمة المبادرات مرتبطة بأسماء أصحابها، ويصبح نجاحها مقبولاً لدى البعض فقط إذا كان الفضل فيه يعود إليهم أو إلى من ينتمون إليهم. هناك من يتعامل مع المجال العام وكأنه مساحة خاصة لا ينبغي لأحد الاقتراب منها دون موافقته، ولا يهمه كثيراً إن كانت الفكرة جيدة أو قادرة على حل مشكلة بقدر اهتمامه بمعرفة من صاحبها ومن سيظهر في الصورة إذا نجحت.
وإذا لم يكن هو صاحب الفكرة، تبدأ العراقيل. قد تظهر في صورة تشكيك مستمر، أو تقليل من حجم الجهد، أو نشر للشائعات، أو محاولة إقناع الآخرين بأن كل مبادرة جديدة تخفي وراءها مصالح شخصية. وفي أحيان أخرى، يتم استغلال العلاقات والنفوذ لإبطاء الإجراءات أو إغلاق الأبواب أمام أي محاولة للتحرك. والمفارقة أن كثيراً ممن يمارسون هذا النوع من التعطيل لا يقدمون بديلاً أفضل، ولا مشروعاً آخر، ولا رؤية يمكن البناء عليها، بل يكتفون بالوقوف في طريق الآخرين، وكأن فشل الجميع أفضل من نجاح لا يحمل أسماءهم.
أتحدث عن هذا من واقع تجربة قريبة. حين تبنيت مؤخراً أحد المطالب العامة المرتبطة باحتياجات حقيقية داخل المجتمع، وسعيت عبر القنوات المشروعة والمتاحة إلى طرح القضية والعمل عليها، لم يكن أصعب ما واجهته هو تعقيد الإجراءات أو صعوبة الوصول إلى حل. المفاجأة كانت في نوع آخر من المقاومة، مقاومة لم تناقش القضية نفسها بقدر ما اهتمت بمن يتبناها. وبدلاً من أن يكون السؤال هو كيف يمكن تحقيق هذه المصلحة أو تطوير الفكرة لتصبح أكثر قابلية للتنفيذ، أصبح السؤال لدى البعض هو كيف يمكن منع شخص بعينه من أن يُحسب له أي دور في تحقيقها.
وهنا تكمن المشكلة الحقيقية. حين تتحول قضية عامة إلى معركة شخصية، تضيع القضية نفسها بين الحسابات الصغيرة، ويصبح المواطن الذي يفترض أن يكون محور الاهتمام آخر من يفكر فيه الجميع. قد يتخيل البعض أن تعطيل مبادرة أو تأخير مطلب عام يمثل انتصاراً في خلاف محدود، لكنه في الحقيقة قرار يدفع ثمنه أشخاص لا علاقة لهم بهذه الصراعات. صاحب المبادرة قد يستمر، وقد يجد طريقاً آخر، وقد يبدأ من جديد، لكن الوقت الذي ضاع لن يعود، والمصلحة التي تأخرت قد تكون أثرت في حياة كثيرين كانوا ينتظرون حلاً أو تغييراً.
ولهذا فإن أخطر ما يمكن أن يحدث في العمل العام هو أن تتحول مصالح الناس إلى أدوات لتصفية الحسابات أو حماية النفوذ الشخصي. لأن من يقبل بتعطيل ما يمكن أن يفيد المجتمع فقط حتى لا ينجح شخص آخر، فإنه يضع خلافه الشخصي فوق المصلحة العامة. وهو سلوك يكشف عن فهم خاطئ لطبيعة المسؤولية، لأن العمل العام لا يفترض أن يكون مسابقة على احتكار المشهد، بل مساحة تتكامل فيها الجهود وتُقاس فيها قيمة الأشخاص بما يقدمونه من نتائج حقيقية.
الحقيقة أن الشخص الواثق من قدرته لا يخاف من نجاح الآخرين، ومن يملك ما يقدمه لا يشعر بالتهديد من وجود أشخاص آخرين يعملون ويحققون نتائج. بل إن تعدد المبادرات ووجود أشخاص قادرين على التحرك يجب أن يكون مصدر قوة لأي مجتمع. أما الرغبة الدائمة في احتكار المشهد، فهي غالباً ما ترتبط بالخوف من المقارنة، والخوف من أن يصبح الإنجاز هو معيار التقدير الحقيقي بدلاً من العلاقات أو كثرة الكلام أو الحضور الشكلي.
العمل العام يكشف الجميع مع الوقت. يكشف من يعمل من أجل الفكرة ومن يعمل من أجل الصورة، ويكشف من يسعد بأي خطوة تخدم الناس ومن ينزعج لأن اسمه لم يكن في مقدمة المشهد. كما يكشف الفرق بين من يملك القدرة على البناء ومن لا يملك سوى تعطيل ما يبنيه الآخرون. قد ينجح البعض في تأخير مشروع أو إرباك مبادرة أو إبعاد شخص عن المشهد لفترة، لكنهم لا يستطيعون أن يصنعوا لأنفسهم قيمة بمجرد منع الآخرين من النجاح.
فالمكانة لا تُبنى بالعرقلة، والاحترام لا يأتي من إسقاط الآخرين، والقيادة لا تتحقق باحتكار كل مساحة يمكن أن يظهر فيها شخص آخر. وفي النهاية، قد ينسى الناس كثيراً من وقفوا في طريق فكرة جيدة، لكنهم يتذكرون من حاولوا أن يصنعوا فرقاً، ومن اختاروا العمل عندما كان الأسهل هو الوقوف في الصفوف الخلفية وانتقاد كل من يحاول.
ربما يكون السؤال الذي يجب أن يطرحه كل من يعمل في الشأن العام على نفسه بسيطاً: إذا كانت الفكرة ستفيد الناس، فهل يهم حقاً من بدأها؟ إذا كانت الإجابة هي نعم، فالمكان الطبيعي لكل من يؤمن بالعمل العام هو دعمها وتطويرها، حتى لو لم يكن صاحبها من دائرته أو من المقربين إليه. أما إذا أصبح الاسم أهم من النتيجة، والشخص أهم من القضية، والظهور أهم من خدمة الناس، فالمشكلة ليست في المبادرات ولا في أصحابها، وإنما في عقلية لم تتعلم بعد أن نجاح الآخرين لا ينتقص من أحد، وأن خدمة المجتمع أكبر من أي خلاف شخصي أو حساب ضيق.
- 0 views