آخر الأخبار
مقالات رأي
هذا المحتوى يعبّر عن رأي الكاتب وحده، ولا يعبر بالضرورة عن رأي الحزب.
- الصفحة الرئيسية
- مقالات رأي
شمال سيناء: بين مِحَن التحديات ومنح الفرص قراءة تحليلية في مقومات التنمية والاستقرار والتعمير
-
2026-05-26
-
عزت قدري أنور
شمال سيناء: بين مِحَن التحديات ومنح الفرص
قراءة تحليلية في مقومات التنمية والاستقرار والتعمير
لم تعد شمال سيناء مجرد منطقة حدودية تواجه تحديات أمنية معقدة، بل تحوّلت خلال السنوات الأخيرة إلى أحد أهم ملفات التنمية الاستراتيجية في الدولة المصرية، في ظل رؤية تستهدف إعادة بناء الإنسان والمكان معاً. وإذا أردنا قراءة المشهد بموضوعية، فلا بد من الانطلاق من التحديات الحقيقية قبل الحديث عن الإنجازات، ثم استشراف الفرص التي تنتظر من يحسن اقتناصها.
أولاً: التحديات — الجذور العميقة
لا يمكن فهم واقع شمال سيناء دون استيعاب التعقيد الذي ورثته المنطقة على مدى عقود. فعلى الصعيد الأمني، خاضت الدولة معركة شاقة ضد جماعات مسلحة نجحت في تحويل التضاريس الوعرة إلى حواضن للتطرف، وكان التحدي الحقيقي أن المواجهة العسكرية وحدها لم تكن كافية — وهو ما أدركته القيادة مبكراً حين انطلقت بمقاربة تجمع بين الأمن والتنمية في آنٍ واحد. وعلى الجانب الجيوسياسي، ألقت التوترات المستمرة على الحدود مع غزة بظلالها على وتيرة الاستثمار وحركة السكان على حدٍّ سواء.
وعلاوة على ذلك، عانت المحافظة تاريخياً من ضعف الكثافة السكانية رغم اتساع مساحتها، إذ لم تكن البيئة مهيأة لجذب الأسر والمستثمرين في ظل غياب الخدمات الأساسية. والأمر ذاته ينطبق على أزمة المياه المزمنة التي قيّدت أي حلم بتوسع زراعي حقيقي، في مواجهة مساحات شاسعة تمتد بين العريش ورفح والشيخ زويد وبئر العبد والحسنة ونخل — مدن متباعدة جغرافياً، ظلّ الربط بينها وتوصيل الخدمات إليها تحدياً لوجستياً ضخماً لسنوات طويلة.
ثانياً: الإنجازات — الأرض تتحدث
في مواجهة هذه التحديات، انطلقت الدولة بخطة غير مسبوقة في حجمها وتنوعها. وبدلاً من الاكتفاء بالأرقام الجافة، يكفي أن نتصوّر الفارق: محافظة كانت تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة، شهدت خلال عقد واحد تنفيذ أكثر من ألف مشروع تنموي باستثمارات تجاوزت خمسة وثلاثين مليار جنيه — وهو رقم يعكس إرادة سياسية حقيقية أكثر مما يعكس مجرد خطط ورقية.
على صعيد الربط والنقل، تحوّل ميناء العريش البحري من منشأة متهالكة إلى بوابة تجارية واعدة، فيما جرى إحياء خط السكة الحديد التاريخي الذي يربط شبه الجزيرة من غربها إلى شرقها، علاوة على شبكة طرق متجددة وتغذية كهربائية ترتقي بمستوى الحياة اليومية.
وفي قلب المشهد الإنساني، قامت مدن جديدة من تحت الرمال — رفح الجديدة نموذجاً — حين أُنشئت بمخططات عمرانية متكاملة تضم وحدات سكنية ومنظومات صرف صحي، وتجمعات تنموية وصلت إلى سبعة عشر تجمعاً تخدم المجتمعات البدوية التي كانت على هامش الخريطة الخدمية. وعلى الجانب المائي، باتت محطات التحلية واقعاً ملموساً في العريش ورفح وبئر العبد بعد أن كانت حلماً بعيد المنال.
الأمر الذي يستحق الإشارة خصيصاً هو التوجه نحو التنمية البشرية لا الحجرية فحسب؛ إذ كشف وزير التخطيط أن أكثر من نصف الاستثمارات الموجهة للمحافظة تذهب إلى الصحة والتعليم وتأهيل الإنسان، وهو ما تجسّد في تطوير منظومة المستشفيات من العريش إلى الشيخ زويد وبئر العبد، وإنشاء جامعة العريش وكلياتها المتخصصة، ضمن رؤية أشمل تجعل من ابن سيناء شريكاً في التنمية لا مجرد متلقٍّ لها.
ثالثاً: الفرص — المستقبل ينتظر
إذا كانت الإنجازات تمثّل ما بُني، فإن الفرص تمثّل ما ينتظر البناء — وهي أضخم بكثير مما تحقق حتى الآن.
يكمن في باطن شمال سيناء ثروة طاقوية هائلة؛ حقول الغاز الطبيعي تضخ مئة مليون قدم مكعبة يومياً، وسماؤها الصافية طوال العام تجعلها أرضاً خصبة للطاقة الشمسية في عصر الطاقة النظيفة. وضمن رؤية أشمل، يجري حالياً تنفيذ خط سكة حديد استراتيجي بطول 341 كيلومتراً يمتد من بئر العبد إلى مطار طابا، ليحوّل المحافظة من طرف شبه معزول إلى ممر لوجستي يربط قلب مصر بحدودها الشرقية وموانئها.
في المقابل، يبقى الموقع الجغرافي أثمن ما تملكه شمال سيناء: فالقرب من قناة السويس، والإطلال على ثلاثة بحار، والتوسط بين أسواق أفريقيا وآسيا وأوروبا، يجعلها مرشحة طبيعية لتكون منصة تصدير وإعادة تصدير لم تستغلها مصر بعد بالحجم الذي تستحقه.
علاوة على ذلك، تكتنز المحافظة إرثاً سياحياً فريداً؛ فمسار العائلة المقدسة الذي تحتضن إحدى نقاطه الرئيسية في ربوعها يمثّل بوابة نحو سياحة دينية عالمية راسخة الجذور. كما أن المناطق الصناعية المرتقبة في بئر العبد، مع الكوادر الشبابية المتعلمة التي بدأت تتخرج من جامعة العريش وتكتسب مهاراتها في مؤسسات المحافظة، تُشكّل معاً رأس مال بشرياً واعداً قادراً على حمل مشروعات التنمية من الداخل لا الاعتماد دائماً على عمالة قادمة من خارج سيناء.
وفى النهاية: معادلة الأمن والتنمية
ما يميّز تجربة شمال سيناء عن كثير من تجارب التنمية في مناطق ساخنة حول العالم، هو النجاح في بناء شراكة حقيقية مع أهالي المنطقة أنفسهم. فقد أدرك صانع القرار المصري مبكراً أن لا استقرار بلا تنمية، ولا تنمية بلا استقرار — وأن المجتمع المحلي هو الخندق الأول في مواجهة التطرف حين يجد فيه حياة كريمة وأفقاً مفتوحاً. والنتيجة اليوم في متناول اليد: سنوات متتالية خالية من العمليات الإرهابية منذ عام 2022، وورش بناء لا تتوقف على امتداد المحافظة من شمالها إلى جنوبها.
المشوار لم ينته — لكن الاتجاه واضح، والعزيمة ثابتة
- 0 views