آخر الأخبار
مقالات رأي
هذا المحتوى يعبّر عن رأي الكاتب وحده، ولا يعبر بالضرورة عن رأي الحزب.
- الصفحة الرئيسية
- مقالات رأي
عيد العمال في دهاليز المحليات: بين عناء "العمالة" وفشل "الإدارة"!
-
2026-05-08
-
محمد جمال عبد الرحمن
عيد العمال في دهاليز المحليات: بين عناء "العمالة" وفشل "الإدارة"!
بينما تحتفل مصر بعيد العمال، ذلك العيد الذي يجسد قيمة العرق والجهد في بناء الأوطان، تبرز أمامنا حقيقة لا يمكن القفز فوقها؛ وهي أن منظومة العمل الميداني في أحيائنا ومدننا تعيش حالة من "التناقض الصارخ". فبينما نرى عمالاً انهكهم العمل في وسط عز الظهيرة و البرد الشديد، بأقل الإمكانيات و أبسط معدات للسلامة و الوقاية ، نجد في المقابل نتائج لا ترقى لحجم هذا الجهد.
إن الإشكالية اليوم في "المحليات" ليست في "من يعمل"، بل في "من يدير ويخطط".
إننا أمام أزمة "عقل إداري" عجز عن مواكبة سرعة السواعد التي تبني في كل مكان.
العامل البسيط.. بطل في منظومة "مُعطِّلة"
إن عامل النظافة الذي يخرج في الفجر، وفني الكهرباء الذي يتسلق الأعمدة، وعامل الصيانة الذي يغوص في شبكات الصرف، هم "التروس الحقيقية" التي تحفظ للمدينة توازنها.
لكن الصدمة الكبرى تكمن في أن هؤلاء العمال يُطلب منهم "المستحيل" بأدوات "العصور الوسطى".
ففي الوقت الذي تتحدث فيه "الجمهورية الجديدة" عن الحداثة، لا يزال عامل المحليات يفتقر لأبسط مهمات الوقاية، ويفتقر للمعدات الحديثة التي تضاعف إنتاجيته.
إن تكريم العامل في عيده لا يكون بالشعارات الرنانة، بل بتمكينه من أدوات عمل تحترم آدميته وتصون جهده.
إن ترك العامل يواجه مشكلات الشارع بـ "البركة" هو في حد ذاته نوع من الفشل الإداري الذي يقتل الروح و الكرامة والالتزام لدى هؤلاء الأبطال.
المحليات والشرطة.. مجهود يواجهه "عقم تخطيطي"
لا ينكر مجهودات رجال الشرطة ، بجميع أفرعها من إدارة مرور وأمن عام، في محاولاتهم المستمرة لضبط إيقاع الشارع المصري.
إن رجل المرور الذي يقف لساعات طوال تحت الشمس يحاول حل أزمة "موقف عشوائي" أو "تكدس مروري"، هو في الحقيقة يواجه "نتائج" لفشل "أسباب" زرعتها المحليات.
لماذا لا تزال الأزمة قائمة رغم الوجود الأمني المكثف؟ الإجابة ببساطة: لأن المحليات سمحت للمواقف العشوائية بأن تنبت كـ "كالزرع الشيطاني" في مداخل الكباري ومخارج المدن.
عندما يغيب التخطيط الصحيح للموقف، ويصبح الرصيف مستباحاً، يتحول مجهود رجل الشرطة من "تنظيم حركة" إلى "إدارة أزمة" مستمرة.
الشرطة تضبط المخالفات، لكن المحليات هي من يجب أن "تمنع وقوع المخالفة" أصلاً من خلال تخطيط هندسي سليم للجيوب المرورية والمسارات المحددة.
إننا نؤمن بأن الإصلاح لا يبدأ من وراء المكاتب المكيفة، بل يبدأ من "تعديل هندسة الشارع".
إن الحلول التي نطرحها حلول "ميدانية" خشنة، تعتمد على الفهم العميق لواقع الشارع المصري:
1. هندسة الميدان (الجيوب المرورية):
إن توسيع الطرق ليس حلاً سحرياً إذا ظلت ممرات المشاة ومواقف التحميل عشوائية.
الحل يكمن في إنشاء "جيوب خرسانية" داخلية مخصصة فقط لميكروباصات النقل الجماعي، بعيداً عن نهر الطريق الرئيسي.
هذه "الحارات الهادئة" تضمن ألا يتوقف الميكروباص فجأة ليعطل حركة السير، مما يسهل مأمورية رجل المرور ويحمي حياة الركاب.
2. التنسيق الميداني "تحت الأرض":
من غير المقبول أن يظل العامل يحفر في الشارع بشكل عشوائي لأنه لا يمتلك "خريطة مرافق" دقيقة.
إهدار المال العام يبدأ عندما يكسر فني المحليات ماسورة غاز وهو يصلح ماسورة مياه.
الحل في "مركز بيانات هندسية " لكل حي، يوفر خرائط رقمية (وورقية ميدانية) لكل شبر تحت الأرض، ليكون عمل العامل "دقيقاً ومخططاً" وليس "تخمينياً".
3. استغلال الأراضي الفضاء (المواقف التبادلية):
بدلاً من ترك الأراضي الفضاء داخل الأحياء لتتحول إلى مقالب قمامة، يجب تحويلها فوراً إلى مواقف "نظامية" مجهزة بمقاعد انتظار ودورات مياه.
هذا الإجراء يفرغ الشوارع الرئيسية من الزحام، ويمنح العاملين في هذه المواقف بيئة عمل كريمة، ويقضي على "البلطجة" التي تنمو في غياب الرقابة الإدارية.
الإدارة بالنتائج.. لا بـ "دفاتر الحضور"
لقد آن الأوان لنسف منظومة الإدارة القديمة التي تقدس "دفتر التوقيع" وتتجاهل "الإنتاج الميداني".
إن معيار النجاح لرئيس الحي أو الموظف التنفيذي يجب أن يكون "حالة الشارع"؛ فإذا كان الرصيف محتلاً، والموقف عشوائياً، والزبالة متراكمة، فلا قيمة لأي تقارير مكتبية وردية.
إننا نحتاج إلى "قيادات ميدانية" تتواجد في الشارع بنسبة 80% من وقت عملها، تقف خلف العمال، تدعمهم، وتراقب انضباط التاجر والسائق.
الإدارة هي "فن تذليل العقبات" أمام العامل ليؤدي دوره، وليست "فن إصدار الأوامر" من المكاتب المغلقة.
كرامة العامل هي كرامة الوطن
في عيد العمال، نجدد العهد بأن نكون صوتاً لكل يد تبني، وسيفاً مسلطاً على كل عقلية إدارية تعطل مسيرة البناء.
إن "الجمهورية الجديدة" التي ينادي بها السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي تتطلب منا جميعاً أن نرتفع بمستوى الأداء الإداري ليتناسب مع حجم المشروعات القومية العملاقة.
قوت المصريين، وأمنهم المروري، وسلامة شوارعهم، تبدأ من "محليات قوية" تفهم لغة الهندسة، وتحترم جهد العامل، وتنسق مع رجال الأمن لتنفيذ "دولة القانون" على الأرض.
إن الشارع المصري يدار بـ "المسطرة" لا بـ "البركة"، وبـ "التخطيط" لا بـ "التسيير".
- 60 views